2024/04/14 9:55 مساءً
الصفحة الرئيسية / مقالات / بالستينو.. ولد من رحلة الموت ليحمل قضية وطن ويحكي قصة شعب

بالستينو.. ولد من رحلة الموت ليحمل قضية وطن ويحكي قصة شعب

فضل عرابي

مع أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وبداية القرن التاسع عشر وفي ظل سياسة التجنيد الإجبارية من قبل الدولة العثمانية للفلسطينيين، هاجر الكثير من الشبان المسيحيين الفلسطينيين من منطقة بيت ساحور وبيت جالا في مدينة بيت لحم هربًا من البطش في رحلة أطلق عليها اسم “رحلة الموت” إلى تشيلي بحثًا عن حياة جديدة.

كانت “رحلة الموت” هذه قاسية جدًّا؛ شاقة ومتعبة ومرهقة إلى أبعد الحدود، إنه سيناريو الهروب المفجع من البطش والحرب نحو الأمان والأمل، وفي الطريق المميت مات عدد كبير من الشبان، تساقطوا كما يتساقط ورق الشجر الأصفر، فقد تحولوا إلى أشجار أغصانها يابسة وأوراقها صفراء وجذورها تتقطع .

وواصل الباقون الرحلة فعبروا البحر ووصلوا إلى الأرجنتين، ومنها مروا إلى تشيلي عبر جبال الأنديز الخطرة والوعرة وظروفها المناخية القاسية وثلوجها المتراكمة، ليكملوا مخاض “رحلة الموت” التي فتكت بالعديد من رفاقهم.

ومع نكبة فلسطين عام 1948 والنكسة عام 1967 والحرب الأهلية في لبنان والتي بدأت عام 1975 واستمرت 15 عامًا هاجرت أعداد كبيرة نحو تشيلي ليزداد عدد المهاجرين الفلسطينيين في تشيلي.

تأسس نادي بالستينو للهواة في 20 آب\ أغسطس من العام 1920؛ على يد مجموعة من المهاجرين الفلسطينيين بلغ عددهم في حينها 68 شابًّا، في  مدينة سانتياغو العاصمة التشيلية.

وكلمة “بالستينو” باللغة الإسبانية تعني فلسطين؛ ويرمز شعار النادي وزي الفريق إلى ألوان علم فلسطين “الأحمر والأخضر والأبيض والأسود”.

وبعد نكبة فلسطين عام 1948 قرر الشباب أن يحولوا النادي من نادي هواة إلى نادي محترفين، وبعدها بأربعة أعوام، وبالتحديد في عام 1952، شارك بالستينو في دوري الدرجة الثانية التشيلي.

وقاده المدرب الأرجنتيني غييرمو كول لإحراز لقب دوري الدرجة الثانية والصعود لدوري الدرجة الأولى، ولقب الفريق في حينها بلقب “المليونير” لقدرته الشرائية الكبيرة وجذبه للنجوم.

وفي عام 1955 حقق بالستينو لقب الدوري للمرة الأولى في تاريخه، قبل أن يكرر الإنجاز في عامي 1978 و2014، وحل في المركز الثاني في الدوري في 4 مناسبات، كما حقق لقب كأس تشيلي في 3 مناسبات 1975 و1977 و2018

وكان  الفريق يلعب كل ثلاثاء أي منتصف الأسبوع بينما تلعب بقية الفرق نهاية الأسبوع، الأمر الذي دفع الناس لوصف يوم الثلاثاء بـ”ثلاثاء الفلسطينيين في سانتا لاورا”.

وفي عام 1988 أسس بالستينو ملعبه الخاص في منطقة لاسيستيرنا في وسط العاصمة التشيلية سنتياغو، وحمل الملعب اسم “استاديو مونيسيبال دي لا سيستيرنا” و يتسع الملعب إلى اثني عشر ألف متفرج، وما يميز الملعب هو أن ألوان مقاعد مدرجاته تشكل العلم الفلسطيني.

و ما يميز جماهير  بالستينو في ملعبهم هو حمل الأعلام الفلسطينية والصراخ باسم فلسطين، والهتاف بالشعارات الفلسطينية التي تقول أبرزها ” الحرية و النصر لفلسطين “.

ولبالستينو نشيد خاص مميز تقول بدايته “في بالستينو علينا المضي قدمًا لأن النور يأتي من الشرق، إنه الحياة والسعادة والسلام التي نزرعها في شبابنا”.

وفي موسم 2014 قام النادي برسم الرقم واحد على قمصان لاعبيه على شكل خارطة فلسطين، ما أثار ضجة إعلامية كبيرة في العالم، وثارت حفيظة الجالية اليهودية في تشيلي، وتدخلت حكومة الاحتلال الصهيوني واستدعت السفير التشيلي لديها للضغط على بلاده من أجل عقاب النادي.

كما اتهمت حكموة الاحتلال النادي بالإرهاب الفكري، ليكون بذلك أول ناد رياضي في العالم يتهم بالإرهاب.

وبعد ذلك أصدرت محكمة التأديب التابعة للاتحاد التشيلي لكرة القدم قرارًا يحظر على بالستينو ارتداء هذا القميص مع غرامة مالية بمبلغ 1300 دولار أميركي.

وأتى هذا القرار بعد أن قدمت  الجالية اليهودية شكوى رسمية إلى اتحاد كرة القدم عن طريق مالك نادي “نوبلينسي” باتريك كيبليسكي، ورد نادي بالستينو على صفحته في الـ “فيسبوك”: “بالنسبة إلينا، ستبقى فلسطين الحرة دائمًا فلسطين التاريخية، وليس هنالك أقل من ذلك”.

وبعد هذا القرار ارتدى لاعبو فريق بالستينو قميصًا جديدًا وضع على صدره خارطة فلسطين بدلًا من رسم الرقم واحد على شكل الخارطة .

ومن أبرز المدربين في تاريخ النادي المهندس التشيلي مانويل بلغريني الذي اكتسب شهرته من نادي بالستينو، لينتقل بعدها إلى تدريب فياريال وملقا وريال مدريد في إسبانيا، ومانشستر سيتي في إنجلترا.

والأرجنتيني بابلو أدريان غودي، أحد قادة تكتيك “الجيجن برسينغ” أو فيما يعرف بالضغط المرتد في كرة القدم، وهو أحد  تلامذة المدرب مارسيلو بييلسا، وهو الذي قاد بالستينو  إلى المشاركة في بطولة كوبا ليبرتادوريس “أهم بطولات أميركا الجنوبية” للمرة الأولى منذ 35 عامًا وتحديدًا في 2015.

ويدرب النادي حاليًا الأرجنتيني باولو سانشيز الملقب بـ”فيتامينا”، ويرأسه جورج أوي، ويحذوهم الأمل لمواصلة كتابة التاريخ.

كما قدم بالستينو العديد من اللاعبين لمنتخبنا الوطني لكرة القدم ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: ربيرتو بشارة، وربيرتو كاتلون، وباترسيو مهنا، وادغاردو عبد الله .

آلاف الأميال تفصل تشيلي عن فلسطين، وأكثر من مئة عام مرت على فوج المهاجرين الأول، وعشرات الأعوام على باقي أفواج الهجرة، وأجيال تبدلت وبقيت القضية الفلسطينية وأرض فلسطين حاضرة لا تغيب في قلوب وعقول كل الجالية الفلسطينية هناك.

وكان بالستينو ولا يزال يحمل قضية وطن ويحكي قصة شعب، فبالستينو يضم بين صفوفه لاعبين من جنسيات عديدة، يزرع بداخلهم حب القدس وفلسطين، يحكي لهم عن جذور الحكاية، يخبرهم عن الحقيقة الكاملة كما هي لا كما يرويها الآخرون، يجعلهم منفتحين حول معرفة الكثير عن هذا الشعب الثائر.

نادي بالستينو الذي يحمل ألوان علم فلسطين ويمثل قضيتها، أراد مؤسسوه أن يكون وسيلة لتعريف العالم بفلسطين وعدالة قضيتها وحكاية شعبها الثائر، وهذا ما نجحوا فيه خلال مئة وثلاثة أعوام من الوجود، وليس أدل على ذلك إلا الأعلام الفلسطينية التي يحملها عشاقه ويجوبون بها كل ملاعب تشيلي والقارة اللاتينية، وهتافاتهم لفلسطين في كل مباراة.

شاهد أيضا

مونديال 2018: الملاعب الروسية الـ 12

AFP بل نحو أسبوعين على انطلاق المنافسات، تستعد الملاعب الـ 12 المضيفة لكأس العالم 2018 ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *