
فضل عرابي
لا يبدو تعيين فريدريك ماسارا في يوفنتوس مجرد استبدال إداري أو إضافة اسم جديد إلى الهيكل التنظيمي للنادي. فقد منحه النادي منصب المدير التنفيذي لشؤون كرة القدم، مع مسؤولية الإشراف على إدارة وتطوير قطاع كرة القدم للرجال، والمساهمة في إعداد الاستراتيجيات والمشاريع الرياضية، بالتعاون مع المدير الرياضي ماركو أوتوليني وتحت الإشراف المباشر للرئيس التنفيذي جيوفاني كارنيفالي.
لهذا، فإن تقييم ماسارا لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الصفقات التي أبرمها أو الأندية التي عمل فيها، بل عند قدرته على بناء مشروع متماسك: هل يعرف كيف يحدد احتياجات الفريق؟ هل ينسجم مع المدرب؟ هل يستطيع تحويل الإنفاق إلى قيمة رياضية ومالية؟ وهل ينجح عندما تكون الصلاحيات واضحة، أم يتراجع أثره حين تضطرب المؤسسة؟
الإجابة التي يقدمها سجله ليست أحادية، ماسارا يملك تجربة كبيرة ونجاحًا حقيقيًا في ميلان، لكنه واجه أيضًا صفقات لم تنجح، ومشروعًا فرنسيًا لم يستقر في رين، وعودة قصيرة إلى روما انتهت رغم تحقيق هدف التأهل إلى دوري أبطال أوروبا.
ما الذي يمكن نسبته إلى ماسارا؟
في كرة القدم الحديثة، لا يملك المدير الرياضي وحده كل مفاتيح القرار، اللاعب قد يأتي نتيجة عمل شبكة الكشافة، أو طلب المدرب، أو تفاوض الإدارة التنفيذية، أو توافق أكثر من مسؤول داخل النادي. لذلك، لا يصح تقديم كل لاعب وصل إلى ميلان بين 2019 و2023 بوصفه “صفقة ماسارا” وحده.
في ميلان، كان ماسارا مديرًا رياضيًا للفريق الأول منذ تموز/ يوليو 2019، لكنه كان يرفع تقاريره مباشرة إلى باولو مالديني، مدير التطوير الاستراتيجي للقطاع الفني. لذلك، فإن التوصيف الأدق هو الحديث عن حقبة مالديني–ماسارا، لا عن مشروع فردي صنعه شخص واحد.
أما في رين، فكانت مهمته أوسع؛ إذ كلّفه النادي بقيادة السياسة الرياضية من أكاديمية الشباب حتى الفريق الأول، وهنا تصبح مسؤوليته عن نتائج المشروع أكبر، وإن لم تكن مطلقة، لأن المدرب والإدارة واللاعبين شركاء في النجاح أو الإخفاق.
من روما إلى ميلان: تراكم الخبرة قبل الاختبار الأكبر
بدأ ماسارا مساره الإداري في نادي روما، وعمل فيه قبل أن يتولى منصب المدير الرياضي عام 2016. ثم خاض تجربة قصيرة في القطاع الفني لنادي جيانغسو سونينغ الصيني بين 2017 و2018، قبل عودته إلى روما، ومنها إلى ميلان. هذا المسار منحه معرفة واسعة بالسوق الإيطالية وبالعمل داخل أندية كبيرة تخضع لضغط جماهيري وإعلامي مستمر.
لكن ميلان هو المحطة التي صنعت رصيده الحقيقي، وصل ماسارا إلى نادٍ كان يبحث عن استعادة مكانته الأوروبية، قبل أن يتحول خلال أعوام قليلة إلى بطل للدوري الإيطالي ومنافس في دوري أبطال أوروبا.
في موسم 2020-2021، جمع ميلان 79 نقطة وعاد إلى دوري الأبطال. وفي الموسم التالي أحرز لقبه التاسع عشر في الدوري الإيطالي بـ86 نقطة، ثم وصل إلى نصف نهائي دوري الأبطال في موسم 2022-2023، هذه النتائج لا تُنسب إلى ماسارا وحده، لكنها تؤكد أنه كان جزءًا من قيادة رياضية نجحت في إعادة تشكيل فريق تنافسي.
وتزامن النجاح الرياضي مع تحسن مالي لافت؛ إذ أعلن ميلان في موسم 2022-2023 تحقيق إيرادات بلغت 404.5 ملايين يورو وأرباحًا صافية بقيمة 6.1 ملايين يورو، وهي أول نتيجة إيجابية للنادي منذ عام 2006، لا يمكن إسناد هذا التحول إلى ماسارا شخصيًا، لكنه يعكس أن المشروع الرياضي لم يكن منفصلًا عن الاستدامة الاقتصادية.
وحصل مالديني وماسارا معًا على جائزة أفضل مديرين رياضيين لعام 2022 ضمن جوائز Globe Soccer، تقديرًا لمشروع ميلان الذي جمع بين المنافسة، وتطوير اللاعبين، وضبط الإنفاق.
صفقات صنعت نواة ميلان البطل
في صيف 2019، وبعد بدء ماسارا مهمته رسميًا ضم ميلان ثيو هيرنانديز من ريال مدريد ورافاييل لياو من ليل، لم يكونا نجمين مكتملين عند الوصول، لكنهما تحولا لاحقًا إلى ركيزتين في فريق اللقب.
ثيو أصبح هيرنانديز أحد أكثر الأظهرة تأثيرًا هجوميًا في الدوري الإيطالي، بينما لعب لياو دورًا حاسمًا في موسم التتويج، وسجل 14 هدفًا في جميع المسابقات، وصنع هدفي جيرو في المباراة التي حسم فيها ميلان اللقب أمام ساسولو.
أما مايك مينيان، فهو المثال الأوضح على نجاح منظومة مالديني–ماسارا في اختيار البديل المناسب، الحارس الفرنسي انتقل من ليل عام 2021، وقال لاحقًا إن مالديني وماسارا تواصلا معه مباشرة قرب نهاية موسمه المتوج بالدوري الفرنسي، ثم أصبح أفضل حارس في الدوري الإيطالي خلال موسم 2021-2022، ولعب دورًا محوريًا في تتويج ميلان.
وفي الدفاع، جاء فيكايو توموري أولًا على سبيل الإعارة من تشيلسي مع خيار شراء، وهي صيغة خففت المخاطرة قبل الالتزام النهائي بالصفقة، أثبت المدافع الإنجليزي نفسه سريعًا، ومدد ميلان عقده حتى عام 2027، كما ضم النادي بيير كالولو من ليون، قبل أن يصبح عنصرًا مهمًا في الخط الخلفي للفريق المتوج بالدوري.
وفي الوسط والهجوم، ثبّت ميلان انتقال ساندرو تونالي بصورة نهائية بعد موسم إعارة، ثم أضاف أوليفييه جيرو من تشيلسي، تونالي أصبح جزءًا من محور الفريق، بينما قدم جيرو خبرة حاسمة؛ إذ سجل 27 هدفًا في أول 76 مباراة له مع ميلان قبل تمديد عقده في 2023.
القيمة الأساسية لهذه الصفقات لم تكن في اسم واحد، بل في تكوين مجموعة متوازنة: لاعبون شباب قابلون للتطور مثل لياو وكالولو، عناصر جاهزة للتنافس مثل مينيان وتوموري وتونالي، وخبرة هجومية ممثلة في جيرو، وهنا يظهر أفضل ما لدى ماسارا: العمل داخل مشروع واضح لا يعتمد على صفقة استعراضية واحدة.
صيف 2022: حين لم تنجح المواءمة
لكن حقبة ميلان لم تكن بلا أخطاء، سوق صيف 2022 يمثل أبرز نقطة ضعف في سجل ماسارا ومالديني معًا، لأن الفريق دخل الموسم بصفة بطل إيطاليا، وكان بحاجة إلى إضافات قادرة على تثبيت موقعه محليًا وأوروبيًا.
أبرز مثال هو شارل دي كيتيلاريه، الذي وصل من كلوب بروج بعقد يمتد حتى 2027. كان اللاعب صغير السن صاحب موهبة واضحة وسجل جيد في بلجيكا، لكن تجربته في ميلان لم تستقر. وبعد موسم واحد فقط، انتقل إلى أتالانتا على سبيل الإعارة مع خيار شراء.
هذه ليست دلالة على أن تقييم موهبة اللاعب كان خاطئًا بالكامل، لكنه مؤشر على أن الصفقة لم تتوافق مع حاجة ميلان الفورية ولا مع الضغط الواقع على فريق مطالب بالدفاع عن لقبه، وهي في جوهرها مشكلة مواءمة بين اللاعب والسياق والمدرب والتوقيت، أكثر من كونها خطأً في اكتشاف موهبة.
ديفوك أوريغي يمثل حالة ثانية أقل نجاحًا، وصل إلى ميلان صيف 2022 بعقد حتى 2026 بوصفه مهاجمًا يملك خبرة في الدوري الإنجليزي ودوري الأبطال، لكنه لم يثبت نفسه عنصرًا مؤثرًا في مشروع الفريق، وانتقل إلى نوتنغهام فورست على سبيل الإعارة بعد موسم واحد.
هذا الجانب يكشف أحد حدود ماسارا: قدرته على اختيار لاعب جيد لا تعني دائمًا أن اللاعب سيكون مناسبًا لفريق بعينه، فالموهبة في كرة القدم لا تكفي وحدها؛ التوقيت والنظام الفني والبيئة النفسية عوامل قد تصنع نجاح الصفقة أو تعثرها.
ملف بوتمان: بين الفشل الإعلامي والواقع
في سوق 2022 ارتبط اسم ميلان كثيرًا بسفين بوتمان قبل أن يحسم نيوكاسل التعاقد مع المدافع الهولندي بعقد لخمس سنوات، لكن من غير الدقيق إدراج الملف ضمن “إخفاقات ماسارا” المؤكدة، لأن ميلان لم ينشر رسميًا تفاصيل المفاوضات أو العروض أو أسباب توقف الصفقة.
وهنا تظهر أهمية الحذر في تقييم المدير الرياضي: ليس كل لاعب لم يصل إلى النادي يمثل فشلًا تفاوضيًا، كما أن وصول لاعب إلى فريق ما لا يكفي وحده لاعتباره نجاحًا. المعيار الحقيقي هو القدرة على بناء قائمة متجانسة ضمن حدود السوق والميزانية والحاجة الفنية.
رين: التجربة التي خفّضت سقف التوقعات
إذا كان ميلان أفضل فصول ماسارا، فإن رين هو التحذير الأوضح في مسيرته، تولى منصب المدير الرياضي في تموز/ يوليو 2024 مع صلاحيات تشمل قيادة السياسة الرياضية من قطاع الشباب إلى الفريق الأول، قبل أن تنتهي العلاقة بالتراضي بعد 11 شهرًا فقط.
أنهى رين موسم 2024-2025 في المركز الثاني عشر في الدوري الفرنسي، واكتفى بـ41 نقطة في 34 مباراة، وهي حصيلة بعيدة عن طموح نادٍ كان يريد العودة إلى المنافسة الأوروبية.
وتكشف تحركات السوق عن حجم الارتباك. ألبرت غرونبايك وصل بعقد لخمس سنوات في يوليو 2024، لكن النادي أعاره إلى ساوثهامبتون بعد 18 مباراة فقط، وغلين كامارا، الذي وصفه ماسارا عند التعاقد بأنه أحد الملفات المحددة لتقوية الوسط، خرج معارًا إلى الشباب السعودي بعد ثماني مشاركات أساسية فقط في الدوري.
لا تعني هذه الوقائع أن اللاعبين بلا جودة، ولا أن ماسارا يتحمل وحده نتيجة موسم كامل. لكنها تؤكد أن عدة رهانات صيفية لم تندمج مع الفريق بالسرعة المطلوبة، وأن النادي اضطر إلى تعديل قائمته خلال أشهر قليلة. لذلك، تُصنّف تجربة رين بوصفها فشلًا للمشروع أكثر من كونها إخفاقًا فرديًا بسيطًا.
روما الثانية: نجاح فوري بلا استمرارية
عاد ماسارا إلى روما مديرًا رياضيًا في حزيران/ يونيو 2025، لكن العلاقة انتهت بالتراضي في أيار/ مايو 2026 البيان الرسمي للنادي أكد أن روما حققت أهدافًا مهمة خلال الموسم، بينها التأهل إلى دوري أبطال أوروبا، وأشار إلى مساهمة ماسارا في هذا المسار.
في هذه الفترة، كانت صفقة دونييل مالين من أبرز المؤشرات الإيجابية، فعل نادي روما خيار شراء عقد المهجم الهولندي بشكل نهائي بعد أن سجل 15 هدفًا في 20 مباراة منذ وصوله في نافذة الانتقالات الشتوية. لا توجد وثيقة تثبت أن ماسارا وحده صاحب القرار في الصفقة، لكن نجاحها السريع يجعلها من أفضل عمليات روما خلال فترته الثانية.
في المقابل، لم تنجح إعارة ليون بايلي؛ إذ عاد اللاعب إلى أستون فيلا باتفاق الطرفين بعد 11 ظهورًا فقط مع روما، النتيجة سلبية من حيث العائد، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات خطأ في تقييم اللاعب، لأن ظروف الجاهزية والإصابات قد تؤثر في أي صفقة قصيرة الأجل.
المهم أن روما لم تنشر سبب الانفصال التفصيلي عن ماسارا. لذلك، لا يصح الجزم بوجود خلاف فني أو شخصي، كما لا يصح تحويل التسريبات الصحفية إلى حقائق. الثابت فقط أن النادي حقق هدفًا أوروبيًا مهمًا، لكن العلاقة الإدارية لم تستمر.
ماذا يعني سجله ليوفنتوس؟
يوفنتوس لا يتعاقد مع ماسارا على أساس أنه مدير انتقالات فقط، النادي يضعه في موقع أوسع، ويطلب منه المساهمة في قيادة وتطوير قطاع كرة القدم للرجال، بالتعاون مع أوتوليني وتحت إدارة كارنيفالي.
هذا الهيكل قد يناسبه أكثر من تجربة رين، لأنه لا يجعله الرجل الوحيد المسؤول عن كل تفصيل، لكنه يفرض في الوقت نفسه شرطًا واضحًا: أن تكون الصلاحيات محددة، وأن يكون هناك اتفاق مسبق مع المدرب حول هوية الفريق، قبل البدء في التعاقدات.
أفضل نسخة من ماسارا ظهرت في ميلان، حيث كان هناك توزيع واضح للأدوار: مالديني مرجعية فنية، بيولي مدرب مستقر، وإدارة تعمل وفق مشروع تدريجي، أما أسوأ نسخة فظهرت حين لم تتحول حركة السوق إلى فريق متماسك، كما حدث في رين.
الخلاصة والحكم
ماسارا ليس “عبقري انتقالات” لا يخطئ، وليس مديرًا فاشلًا كما قد توحي تجربة رين وحدها، التقييم الأدق أنه مسؤول كروي جيد جدًا داخل منظومة مستقرة وواضحة الصلاحيات، لكنه لم يثبت حتى الآن أنه قادر على إنقاذ مشروع مضطرب بمفرده.
رصيده الأقوى هو ميلان: المشاركة في بناء فريق توّج بالدوري الإيطالي، ووصل إلى نصف نهائي دوري الأبطال، وضم عناصر تحولت إلى ركائز مثل لياو، ثيو، مينيان، توموري، كالولو، تونالي وجيرو. وفي المقابل، ارتبط بسوق لم تعطِ بعض رهاناتها الأثر المطلوب، مثل دي كيتيلاريه وأوريغي، وبمشروع رين الذي انتهى سريعًا دون تحقيق أهدافه.
الحكم النهائي: تعيينه في يوفنتوس منطقي ومبرر، لكنه مشروط. إذا وفر له النادي هيكلًا مستقرًا، ومدربًا متوافقًا معه، وسلطة قرار واضحة، فقد يعيد إنتاج أفضل ما قدمه في ميلان. أما إذا تداخلت الاختصاصات وتبدلت الأولويات من موسم إلى آخر، فإن دروس رين وروما ستصبح أقرب من نموذج ميلان.
رياضة 90 موقع رياضي شامل