2026/07/16 8:54 مساءً
أخبار الرياضة
الصفحة الرئيسية / أخبار الرياضة / عاقبوهم أولًا… ثم وصلت العدالة… حكم أنييلي وأريفابيني يضع منظومة العدالة الرياضية الإيطالية في قفص الاتهام

عاقبوهم أولًا… ثم وصلت العدالة… حكم أنييلي وأريفابيني يضع منظومة العدالة الرياضية الإيطالية في قفص الاتهام

فضل عرابي

في دولة القانون لا تُقاس العدالة بصحة النتيجة وحدها بل بقدرتها على الوصول قبل أن تتحول العقوبة إلى واقع لا يمكن إصلاحه، وفي قضية أندريا أنييلي وموريتسيو أريفابيني وصلت العدالة الأوروبية متأخرة: بعد أن نُفذت عقوبة الإيقاف لعامين، وأُغلقت أبواب العمل، وتضررت السمعة، وغادر الرجلان المشهد الذي عوقبا داخله.

ثم جاء حكم محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي ليقول ما كان ينبغي أن يكون بديهيًا منذ البداية: لا يجوز للرياضة أن تعاقب الأشخاص مهنيًا، وأن تمتد بعقوباتها عبر أوروبا والعالم، ثم تختبئ خلف شعار “استقلال النظام الرياضي” كي تمنعهم من الوصول إلى قاضٍ مستقل يملك حق وقف العقوبة أو إلغاءها.

الحكم الصادر اليونم الخميس 16 تموز/ يوليو 2026 في القضيتين المضمومتين C‑424/24 وC‑425/24 لا يمحو العقوبتين تلقائيًا، ولا يمثل حكم براءة من الوقائع المحاسبية، لكنه يمنح أنييلي وأريفابيني انتصارًا قانونيًا بالغ الأهمية: للمرة الأولى أصبحت المنظومة التي حاكمتهما مطالبة بإثبات أنها كانت “محكمة” حقيقية وفق معايير القانون الأوروبي، لا مجرد حلقة أخيرة داخل دائرة رياضية مغلقة.

ماذا قالت لوكسمبورغ فعلًا؟

قالت المحكمة إن حظر مسؤول رياضي من ممارسة نشاطه، خصوصًا عندما يمتد عبر اتحادات أوروبا والعالم يمثل قيدًا على حرية الحركة والعمل وتقديم الخدمات داخل الاتحاد الأوروبي.

صحيح أن حماية انتظام المنافسات ونزاهة الحسابات المالية قد تشكل هدفًا مشروعًا يسمح للاتحادات الرياضية بفرض العقوبات، لكن ذلك ليس تفويضًا مفتوحًا، بل يجب أن تكون العقوبة متناسبة، وأن تُفرض وفق معايير شفافة وموضوعية وغير تمييزية، وأن تخضع لمراجعة قضائية فعالة.

والأهم أن المحكمة وضعت شرطًا ثقيلًا أمام النظام الإيطالي: يجوز للمحكمة الإدارية الحكومية أن تكتفي بالتعويض المالي، من دون امتلاك سلطة وقف العقوبة أو إلغائها، فقط إذا كانت الجهة الرياضية التي فصلت في النزاع كدرجة أخيرة محكمةً حقيقية بالمفهوم الأوروبي.

أي أن عليها أن تكون مستقلة ومحايدة، منشأة مسبقًا بقانون من حيث وجودها وتكوينها وتنظيمها، وأن تضمن حق الدفاع وسماع الطرفين، وأن تمتلك القدرة على إجراء مراجعة قضائية فعلية للعقوبة، أما إذا فشلت آخر درجات القضاء الرياضي في هذا الاختبار، فعلى القضاء الإيطالي توفير الحماية الكاملة بما فيها وقف العقوبة وإلغاء آثارها عند الضرورة.

لم تقل محكمة العدل إن مجلس الضمان الرياضي التابع للجنة الأولمبية الإيطالية يفتقر حتمًا إلى الاستقلال؛ فقد أوضحت أن المعلومات المتاحة أمامها لم تكن كافية لحسم ذلك، وتركت الاختبار للمحكمة الإدارية الإقليمية في لاتسيو.

لكن مجرد فرض هذا الاختبار يمثل تحولًا هائلًا، فبعد اليوم لم يعد كافيًا أن تطلق مؤسسة رياضية على إحدى هيئاتها اسم “محكمة” عليها أن تثبت أنها محكمة بالفعل: في طريقة إنشائها وتكوينها واستقلالها وإجراءاتها وقدرتها على حماية الأفراد من السلطة الرياضية نفسها.

من البراءة إلى العقوبة الأشد

بدأت قضية المكاسب الرأسمالية بإحالة يوفنتوس وعدد من الأندية ومسؤوليها إلى القضاء الرياضي في نيسان/ أبريل 2022 وانتهت المحاكمة الأولى بالبراءة، ثم أكدت محكمة الاستئناف الرياضية تلك النتيجة في أيار/ مايو من العام نفسه.

بعد وصول وثائق جديدة من تحقيق “بريزما” الجنائي أعيد فتح الملف استثنائيً، وفي 20 كانون الثاني/ يناير 2023 انقلب المشهد بالكامل: خُصم من يوفنتوس 15 نقطة، وأوقف أنييلي وأريفابيني لمدة 24 شهرًا، بينما بقيت الأندية الثمانية الأخرى ومسؤولوها مشمولين بالبراءة، وهذه ليست رواية جماهيرية؛ بل ما نشره الاتحاد الإيطالي بنفسه.

الأكثر إثارة أن النيابة الرياضية كانت قد طلبت خصم تسع نقاط، وإيقاف أنييلي 16 شهرًا، وأريفابيني 12 شهرًا، لكن المحكمة رفعت العقوبة إلى 15 نقطة، وضاعفت تقريبًا العقوبة المطلوبة لأريفابيني إلى 24 شهرًا، ورفعت عقوبة أنييلي إلى المدة نفسها.

لاحقًا، أعاد مجلس الضمان الرياضي النظر في أجزاء من الملف، ثم أصبحت عقوبة يوفنتوس عشر نقاط، بينما بُرئ سبعة من أعضاء مجلس الإدارة الذين سبق إيقافهم، ومع ذلك بقيت عقوبتا أنييلي وأريفابيني قائمتين.

هذه التحولات لا تثبت وحدها وجود مؤامرة، لكنها تفرض أسئلة لا يستطيع أي صحفي جاد تجاهلها: كيف يتحول ملف انتهى ببراءة جماعية إلى عقوبة تتركز عمليًا على نادٍ واحد؟ ولماذا تجاوزت المحكمة طلبات النيابة نفسها؟ وكيف يمكن لعقوبة تغيّر جدول الدوري ومستقبل الأشخاص أن تُنفذ فورًا، بينما لا يملك القاضي الحكومي المختص سوى مناقشة التعويض بعد وقوع الضرر؟

عدالة تملك السيف ولا تملك الممحاة

جذر المشكلة أعمق من يوفنتوس. فالقانون الإيطالي رقم 280 لسنة 2003 منح النظام الرياضي استقلالًا واسعًا، وجعل المسائل التأديبية من اختصاص الهيئات الرياضية، ثم قيد سلطة القضاء الإداري الحكومي بعد استنفاد درجات التقاضي الرياضي.

وفي عام 2019، اعتبرت المحكمة الدستورية الإيطالية أن الاكتفاء بالتعويض المالي يمثل توازنًا غير معقول بين استقلال الرياضة وحق الأفراد في الحماية القضائية.

لكن أي توازن هذا الذي يسمح بتنفيذ الإيقاف كاملًا، ثم يطلب من المتضرر أن يعود بعد سنوات ليناقش قيمة الضرر؟

العدالة التي تستطيع المعاقبة فورًا، لكنها لا توفر قاضيًا مستقلًا يستطيع إيقاف العقوبة عند وجود شبهة جدية في مشروعيتها، ليست عدالة مكتملة، إنها منظومة تملك السيف ولا تملك الممحاة؛ تغيّر ترتيب الدوري، وتغلق أبواب المهنة، وتلحق الضرر بالسمعة، ثم تعرض المال بدلًا من إعادة الحق في الوقت المناسب.

حكم لوكسمبورغ لم يُلغ استقلال الرياضة، لكنه أسقط الفكرة الأخطر: أن استقلال الرياضة يعني سيادتها خارج رقابة القانون.

شيفيرين وغرافينا: السياق الذي لا يجوز دفنه

لا توجد في الحكم الأوروبي أو الوثائق المنشورة أدلة مباشرة تثبت أن ألكسندر شيفيرين أصدر أمرًا لغابرييلي غرافينا لمعاقبة أنييلي ويوفنتوس، ومن غير المهني تقديم هذا الاتهام باعتباره حقيقة قضائية محسومة. لكن من غير المهني أيضًا محو السياق السياسي وكأن القضية وقعت في فراغ.

كان أنييلي أحد أبرز مهندسي مشروع السوبر ليغ، وتحولت علاقته بشيفيرين من تحالف شخصي وسياسي وثيق إلى عداء علني، وبعد إطلاق المشروع في نيسان/ أبريل 2021، قال شيفيرين إن خلافه ليس شخصيًا، ثم استثنى أنييلي تحديدًا، ووصفه بأنه “أكبر خيبة أمل” وأظهرت تصريحاته أن المسألة تجاوزت الخلاف المؤسسي إلى إحساس واضح بالخيانة الشخصية.

وفي إيطاليا، لم يخف غرافينا، رئيس الاتحاد الإيطالي حينها، موقفه أيضًا، فقد أعلن في أيار/ مايو 2021 أن يوفنتوس سيُستبعد من الدوري الإيطالي إذا استمر في مشروع السوبر ليغ.

هذه التصريحات لا تثبت أن شيفيرين أو غرافينا تدخلا في مداولات القضاة الرياضيين، لكنها تثبت وجود خصومة سياسية معلنة، وتهديدات مؤسسية سابقة، ورغبة واضحة في إخضاع النادي الذي قاد التمرد.

وعندما يأتي بعد ذلك ملف رياضي استثنائي، يُعاد فتحه بعد البراءة، ويُعاقب فيه يوفنتوس وحده بينما تظل الأندية الأخرى بريئة، وتصدر فيه عقوبات أشد من طلبات النيابة، يصبح التدقيق في استقلال المنظومة ضرورة قانونية، لا “نظرية مؤامرة”.

لا نقول إن المؤامرة ثبتت، نقول إن المؤسسات التي تريد من الجمهور تصديق حيادها ملزمة بتقديم ضمانات أقوى من مجرد مطالبة الجمهور بالثقة.

أنييلي خسر منصبه… لكنه ربح المعركة الأعمق

في كانون الأول/ ديسمبر 2023، كانت محكمة العدل الأوروبية قد قضت بأن قواعد FIFA وUEFA الخاصة بالموافقة المسبقة على المسابقات وفرض العقوبات كانت مخالفة للقانون الأوروبي لأنها لم تكن محكومة بإطار شفاف وموضوعي وغير تمييزي. ولم يكن ذلك الحكم إعلانًا بالموافقة على صيغة السوبر ليغ، لكنه كان إدانة واضحة للسلطة الرياضية المطلقة التي تجمع بين تنظيم السوق، والمنافسة داخله، ومعاقبة من يحاول الخروج عليه.

واليوم تعود الكلمات نفسها في قضية أنييلي وأريفابيني: الشفافية، والموضوعية، وعدم التمييز، والتناسب، والمراجعة القضائية الفعالة.

أما أريفابيني، فلا يجوز التعامل معه بوصفه اسمًا ثانويًا في القضية. الرجل عوقب لعامين رغم أن طلب النيابة بحقه كان عامًا واحدًا، ونفذ عقوبته، ثم واصل الطعن حتى أصبحت قضيته إحدى القضيتين اللتين دفعتا أعلى محكمة أوروبية إلى فحص الأساس الذي تقوم عليه العدالة الرياضية الإيطالية. علمًا أن الصفقات التي عوقب بسببها تمت في وقت لم يكن فيه جزءًا من إدارة النادي، إذ تمت في عهد جوسيبي ماروتا.

هذا انتصار له بقدر ما هو انتصار لأنييلي.

من كالتشيوبولي إلى اليوم: العقوبة أولًا والأسئلة لاحقًا

ليست قضية المكاسب الرأسمالية نسخة قانونية مطابقة من كالتشيوبولي، ولا يجوز خلط الوقائع والأدلة بين الملفين، لكن المقارنة تفرض نفسها من زاوية أخطر: طريقة عمل العدالة الرياضية عندما تكون السرعة أهم من الضمانات، وعندما يصبح الحكم الإعلامي سابقًا للحكم القضائي، وعندما يتحمل يوفنتوس النتائج الأكبر، ثم تظهر الأسئلة بعد أن يكون الموسم والتاريخ والسمعة قد تغيرت إلى الأبد.

في الحالتين، كانت العقوبة الرياضية قادرة على إعادة تشكيل الواقع فورًا، وفي الحالتين، لم تكن المراجعة اللاحقة قادرة على إعادة الزمن.

لهذا لا يتعلق حكم 16 تموز/ يوليو 2026 برجلين نفذا عقوبتيهما فحسب، إنه يتعلق بحق كل نادٍ ومسؤول ورياضي ألا يصبح استقلال الرياضة ستارًا يحجب عنه قاضيًا مستقلًا وفعالًا.

أنييلي وأريفابيني لم يحصلا حتى الآن على الإلغاء النهائي للعقوبتين؛ فالقرار التالي بيد المحكمة الإدارية في لاتسيو، لكنهما حققا ما كانت المنظومة الرياضية تتحاشاه: نقلا القاضي الرياضي نفسه من منصة الحكم إلى قفص الفحص.

الآن على إيطاليا أن تجيب: هل كان مجلس الضمان الرياضي محكمة مستقلة حقًا؟ هل أُنشئ ونُظم بقانون يضمن استقلاله؟ هل كانت معايير العقوبة شفافة وموضوعية وغير تمييزية؟ وهل كان إيقاف الرجلين لعامين، بهذه الصورة وهذه السرعة، عقوبة متناسبة خضعت لمراجعة قضائية حقيقية؟

لقد نفذ أنييلي وأريفابيني العقوبة قبل وصول الإجابة. وهذه وحدها فضيحة أخلاقية لا تستطيع أي صياغة قانونية تجميلها.

لم تبرئ لوكسمبورغ أنييلي من الاتهامات المحاسبية؛ لقد فعلت شيئًا ربما يكون أخطر على المنظومة: وضعت من حاكمه تحت المجهر.

ومنذ اليوم، لم يعد أنييلي وأريفابيني وحدهما في قفص الاتهام.

العدالة الرياضية الإيطالية نفسها أصبحت المتهمة.

شاهد أيضا

كارنيفالي يدخل من باب السياسة… ويوفنتوس يعيد تعريف نفسه بعد سقوط كومولي

فضل عرابي لا تبدو نهاية تجربة داميان كومولي في يوفنتوس مجرد تبديل في الواجهة الإدارية، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *