
فضل عرابي
لا تبدو نهاية تجربة داميان كومولي في يوفنتوس مجرد تبديل في الواجهة الإدارية، بل تبدو نتيجة مباشرة لانهيار مشروع لم يصمد أمام الاختبار الحقيقي: اختبار الملعب، واختبار العلاقة مع المدرب، واختبار القدرة على تحويل السلطة الإدارية إلى أثر رياضي ملموس.
الرجل دخل تورينو في حزيران\ يونيو 2025 بصفة المدير العام، ثم تقلّد لاحقًا موقع المدير التنفيذي، مع صلاحيات واسعة شملت المنطقة الرياضية للرجال وملف التسويق والأنشطة التجارية، ما يجعل خروجه اليوم أكثر من مجرد نهاية وظيفة؛ إنه إقرار بأن الهيكل الذي بُني حوله لم ينجح في إنتاج فريق أكثر صلابة أو إدارة أكثر انسجامًا.
جوهر الإخفاق لم يكن تقنيًا فقط، بل كان بنيويًا، لم ترتقِ صفقات يوفنتوس إلى مستوى التوقعات، ولم تضف الجودة التي تُحدث فرقًا داخل المباريات الكبرى، وبقي الفريق يعيش على ومضات متقطعة بدل أن يمتلك قاعدة مستقرة ترفع مستواه على نحو دائم.
هذه الفكرة ليست انطباعًا عابرًا، بل هي جوهر الحكم على أي إدارة كروية: في نادٍ مثل يوفنتوس، لا تكفي كثرة التحركات في السوق، لأن السوق الذي لا يغيّر شكل الفريق ولا يرفع سقف الأداء يتحول من أداة بناء إلى دليل إدانة.
وخسارة دوري الأبطال، بما تعنيه ماليًا ورياضيًا، جعلت الكلفة مضاعفة، لأن الفشل لم يبقَ داخل المستطيل الأخضر، بل انسحب مباشرة إلى الميزانية وإلى صورة المشروع بأكمله.
لكن الأزمة الأعمق كانت في العلاقة مع لوتشيانو سباليتي، يوفنتوس جدّد عقد مدربه حتى 2028 في نيسان\ أبريل 2026، ما كان يُفترض أن يرسّخ الاستقرار ويمنح الفريق أفقًا فنيًا واضحًا، لكن هذا الاستقرار النظري تحوّل إلى توتر عملي، حين طالب سباليتي بتدعيم هجومي واضح في كانون الثاني\ يناير، وبقيت حاجته دون استجابة حاسمة، بينما خرجت الإدارة بخطاب يتحدث عن “اختيارات مشتركة” لم يقنع المدرب ولم يبدد شعوره بأنه لم يكن شريكًا كاملًا في القرار.
هنا لم يعد الخلاف بين مدرب ومدير فقط، بل صار صراعًا على من يملك تعريف الحاجة الفنية ومن يملك حق تأجيلها أو تعطيلها.
لهذا السبب، حين تفجرت نهاية كومولي، لم تكن المسألة مجرد ضحية أولى لسلسلة من الإخفاقات، بل كانت نتيجة منطقية لثلاثية واضحة: نتائج غير كافية، سوق انتقالات لم يرفع المستوى، وفجوة متسعة مع المدرب.
وإذا كانت بطولة أوروبا أو أي مسابقة أخرى تمنح الإدارة بعض الوقت، فإن عدم الوصول إلى دوري الأبطال يسحب هذا الوقت فورًا ويحوّل كل نقاش إلى سؤال واحد: من المسؤول عن أن يوفنتوس لم يكن يوفنتوس بالمعنى الذي ينتظره جمهوره؟
المسؤول هو الرجل الذي كان يفترض أن يضمن التناسق بين القرار والنتيجة، بين السوق والملعب، بين النظرية والتطبيق.
في هذا الفراغ يبرز اسم جيوفاني كارنيفالي، لكن ليس بوصفه بديلًا إداريًا تقليديًا، بل بوصفه خيارًا سياسيًا بامتياز.
فالرجل، يشغل منصب الرئيس التنفيذي والمدير العام لنادي ساسولو، ويظهر داخل الهيكل الإداري بوصفه أحد الأعمدة الأساسية للنادي.
وهذا التفصيل مهم جدًا، لأنه يثبت أن كارنيفالي ليس مجرد “رجل سوق” بل مدير تعرفه المنظومة الكروية الإيطالية جيدًا، ويعرف هو أيضًا كيف تتحرك هذه المنظومة من الداخل.
لكن القيمة الحقيقية لكارنيفالي لا تتوقف عند منصبه الحالي
فسيرته الممتدة من مونزيسي في الثمانينيات، مرورًا بمونزا وبافيا وكومو ورافينا، قبل أن يستقر في ساسولو منذ 2014.
هذه السيرة، حتى قبل أن نضيف إليها ما هو معروف رسميًا عن حضوره داخل الفعاليات والمؤسسات، تشرح لماذا لا يُنظر إليه كمدير عادي، بل كرجل خبرة عبر طبقات مختلفة من الكرة الإيطالية.
لأنه لم يكتفِ بالتنقل بين الأندية، بل خاض أيضًا تجربة عميقة في بيئة المؤسسات والرعايات والتنظيم والاتصال وهو ما ظهر مبكرًا حين برز اسمه في فعاليات الاتحاد الإيطالي عبر Master Group Sport.
يوفنتوس لا يبحث فقط عن “مدير جديد” بل عن رجل يستطيع أن يعيد النادي إلى قلب الشبكة التي تدار فيها الكرة الإيطالية.
فالمشكلة في السنوات الأخيرة لم تكن فنية خالصة، بل كانت أيضًا مشكلة وزن ونفوذ وموقع داخل النظام.
ولأن كارنيفالي يعرف المؤسسات، ويعرف الأندية الكبرى، ويعرف كيف يُبنى التوازن بين الملفات، فهو يُقدَّم كخيار قادر على إعادة النادي إلى “القصور” لا إلى الهامش.
هذا ليس توصيفًا جماليًا بل توصيف سياسي: النادي يريد من جديد رجلًا يفهم كيف يُدار التأثير، لا فقط كيف تُدار التعاقدات.
هنا تصل القصة إلى أخطر نقطة فيها: علاقة كارنيفالي بجوزيبي ماروتا، هذه ليست صلة عمل عابرة، بل علاقة تكوين مهني كامل.
لقاء في مونزا، عمل مشترك، تراكم ثقة، واعتراف متكرر من كارنيفالي بأن ماروتا كان “معلّمًا”.
وفي السياق الحالي، هذا لا يعني مجرد تقدير شخصي، بل يعني أن الرجل الذي قد يذهب إلى يوفنتوس سيصل وفي ذاكرته المهنية أصلٌ لا يمكن تجاهله: ماروتا هو رجل السلطة الأول في إنتر، والرجل الذي صار يجسد، رسميًا وعمليًا، مكانة الرئيس والمدير التنفيذي للنادي في الوقت نفسه.
وهنا يصبح انتقال كارنيفالي المحتمل إلى يوفنتوس أشبه بانقلاب أدوار كامل: التلميذ في مواجهة الأستاذ، لا داخل نادي صغير، بل داخل الصراع المباشر بين ناديين يتنافسان على النفوذ الرياضي والسياسي.
وماروتا ليس اسمًا رمزيًا هنا، بل شخصية مؤسسية لها تثبيت رسمي داخل إنتر بصفته رئيسًا ومديرًا تنفيذيًا، ما يضاعف حساسية أي مواجهة غير مباشرة بين الطرفين.
لذلك فالسؤال الذي يطرح ليس عاطفيًا ولا شخصيًا، بل سياسي خالص: هل يستطيع كارنيفالي أن يقطع، على المستوى العملي، الخيط الذي يربطه بمشروع ماروتا حتى يصبح لسان حال يوفنتوس الكامل، أم سيبقى رجل توازنات وممرات وسطى؟
ليس المهم أن يكون كارنيفالي “مع يوفنتوس” بل أن يثبت أن صداقته القديمة مع ماروتا لن تحدد قسوته في الدفاع عن مصالح النادي ضد إنتر.
هذه ليست مبالغة إنشائية، بل جوهر معركة النفوذ في كرة القدم الإيطالية الحديثة، فالمناصب لا تُقاس فقط باللقب الوظيفي، بل بقدرة صاحب المنصب على حماية مصالح ناديه عندما تتقاطع مع مصالح منافسيه، وعلى الذهاب إلى الطاولة نفسها من دون أن يكون أسيرًا لعلاقاته القديمة.
ولهذا السبب، فإن أي تقييم حقيقي لكارنيفالي في يوفنتوس لن يبدأ من أول تصريح، بل من أول موقف صعب يضطر فيه للاختيار بين الصمت والمواجهة.
أما على الصعيد الفني: العلاقة المحتملة بين كارنيفالي وسباليتي
هي علاقة تبدأ، نظريًا، من الصفر؛ لا تاريخ صدام ولا تاريخ تعاون مباشر، لكن هناك قابلية واضحة للتفاهم إذا قُرئت شخصية كل منهما كما ينبغي، فكارنيفالي، في تجربته الطويلة مع ساسولو، كان يميل إلى المدربين الذين يملكون فكرة لعب واضحة ويؤمنون بتطوير المواهب وبناء استمرارية فنية، من دي فرانشيسكو إلى دي زيربي، وصولًا إلى الخيارات الأحدث.
وسباليتي بدوره ليس مدربًا يساوم على الرؤية، بل رجل يطلب الاتساق والبرمجة والتشارك الحقيقي في القرار، لهذا تبدو الثنائية منسجمة على الورق، لكن الورق لا يكفي؛ المهم هو كيف سيُترجم ذلك داخل النادي.
وهنا تأتي نقطة حاسمة جدًا في التحليل: السلطة الفعلية
فلو كان كارنيفالي سيجلس في يوفنتوس بوصفه مديرًا تنفيذيًا يملك تفويضًا مباشرًا على السوق، فإن العلاقة مع سباليتي ستصبح قلب المشروع كله، أما إذا تقلص دوره إلى وظيفة سياسية-مؤسسية تُدار تحتها الملفات بواسطة مدير رياضي آخر، فسيعود خطر الكسر بين الرؤية والتنفيذ.
يوفنتوس لا يحتمل تكرار الكارثة نفسها التي عرفها مع كومولي، أي أن يكون هناك من يتكلم باسم المشروع ومن يملك القرار الحقيقي ومن يدفع الثمن عند الفشل.
لذلك فالمسألة ليست اسم المدير، بل طريقة توزيع السلطة داخل الهرم.
“طريقة كارنيفالي” ساسولو كان نموذجًا كلاسيكيًا في رفع القيمة، لا مجرد بيع اللاعبين.
شراء مواهب شابة أو شبه جاهزة، تثبيتها في بيئة فنية مستقرة، ثم نقلها إلى مستوى أعلى بثمن كبير: لوكاتيلي، فراتيسي، بيليغريني، بيراردي، سينسي، بوليتانو، راسبادوري، فيرساليكو، ديميرال، زازا، وأسماء أخرى كثيرة كانت جزءًا من هذا النموذج.
وهذه النقطة تعني أن كارنيفالي ليس مديرًا يملك خبرة في البيع فقط، بل يعرف كيف يبني القيمة قبل بيعها، وكيف يحول النادي إلى مختبر إنتاج رياضي ومالي في آن واحد.
غير أن هذا النموذج، حين ينتقل إلى يوفنتوس، سيصطدم بحقيقة أن النادي لا يملك رفاهية انتظار التدرج وحده؛ إنه يحتاج أيضًا إلى جاهزية فورية وانتصار سريع، وهذا هو الفارق بين نادي يعمل كنموذج تنموي ونادٍ يعيش تحت ضغط اللقب كل موسم.
الأكثر أهمية، أن هذا النموذج لا ينفصل عن ملف “اللغة” النص يشدد على أن كارنيفالي لا يستخدم الكلام للتوضيح فقط، بل كأداة نفوذ.
هو يعرف كيف يوجّه الرسائل، وكيف يثبت موقع ناديه، وكيف يحول التصريحات إلى جزء من معركة التوازن بين الأندية.
هذا أمر قد يتحول إلى ميزة داخل يوفنتوس إذا استُخدم للدفاع عن مصالح النادي، لكنه قد يصبح عبئًا إذا ظلت طريقة الخطاب خارج الانسجام مع موقع يوفنتوس كقوة كبرى.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يتكلم كارنيفالي؟ بل: هل سيتكلم بلسان يوفنتوس أم بلسان رجل النظام الذي يعرف كيف يمرّ بين الخطوط؟
من هنا يصبح تعيينه، إذا تم، أكثر من مجرد تعويض عن خروج كومولي، إنه محاولة لإعادة تعريف مكان يوفنتوس داخل كرة القدم الإيطالية: هل يبقى النادي في موقع رد الفعل، أم يستعيد موقعه كفاعل يصنع التوازن ويؤثر في القرار؟
يوفنتوس يدرك أن التغيير الحقيقي لا يكون بتبديل الأسماء فقط، بل بإعادة صياغة طريقة وجوده في “النظام” وكارنيفالي، تحديدًا، يأتي بوصفه الشخص القادر على الحركة داخل هذا النظام، لا خارجه.
لكن هذا أيضًا ما يجعل الرهان محفوفًا بالمخاطر: فالرجل الذي يعرف كيف يتحرك داخل المنظومة قد يكون الأكثر قدرة على خدمتك، لكنه قد يكون أيضًا الأكثر ميلًا إلى التوازن بدل الصدام إذا لم يُمنح تفويضًا واضحًا.
الخلاصة: نحن لا نتحدث عن رحيل مدير فقط، ولا عن وصول بديل فقط، بل عن انتقال يوفنتوس نفسه من مرحلة إلى أخرى: من إدارة فشلت في تحويل السوق إلى قوة، إلى محاولة استعادة مركز نفوذ مفقود، ومن علاقة متوترة مع سباليتي إلى البحث عن صيغة انسجام جديدة، ومن حضور باهت في مراكز القرار إلى رهان على رجل يعرف خبايا اللعبة.
وإذا كان كومولي قد سقط لأن المشروع الذي حمله لم ينجح في تحويل السلطة إلى نتائج، فإن كارنيفالي، إن وصل، سيُحاكم على معيار مختلف تمامًا: هل يستطيع أن يجعل يوفنتوس أقوى داخل الملعب وخارجه، أم سيكتفي بأن يكون وجهًا أكثر خبرة لمرحلة انتقالية أخرى؟ هذا هو السؤال الحقيقي، وليس مجرد من سيشغل المنصب.
رياضة 90 موقع رياضي شامل